البيت رقم 17
لم يكن البيت رقم 17 في شارع النخيل مجرد منزلٍ مهجور، بل كان لغزًا مفتوحًا منذ أكثر من عشرين عامًا. واجهته الرمادية المتشققة، ونوافذه التي بدت كعيونٍ مطفأة، جعلت المارة يسرعون خطواتهم كلما مرّوا بجواره. لا أحد يتذكر متى سكنه أحد آخر مرة، لكن الجميع يتذكر شيئًا واحدًا: اختفاء عائلة كامل في ليلة واحدة دون أثر.
عاد آدم السالمي إلى المدينة بعد غياب دام سبع سنوات. صحفي استقصائي، اعتاد مطاردة القصص المعقدة، لكنه لم يخطط أبدًا للعودة إلى هذا الحي. غير أن رسالة غامضة وصلت إلى بريده الإلكتروني غيّرت كل شيء.
> “الحقيقة لا تزال في البيت رقم 17… إن كنت شجاعًا بما يكفي.”
لم يكن في الرسالة توقيع، ولا عنوان مرسل. حاول آدم تتبع مصدرها، لكن كل الطرق كانت مسدودة. وكأن الرسالة خرجت من العدم.
في اليوم التالي، وقف أمام البيت. شعر بانقباض غريب في صدره، إحساس يشبه أن المكان يراقبه. الباب الخشبي كان موصدًا، لكنه لم يكن مقفلاً. دفعه ببطء، فأصدر صريرًا حادًا اخترق الصمت.
الهواء في الداخل كان ثقيلاً، تفوح منه رائحة العفن والذكريات القديمة. الغبار غطّى كل شيء، لكن آثار أقدام حديثة كانت واضحة على الأرضية. لم يكن وحده.
بدأ يتجول بحذر. غرفة الجلوس ما زالت كما هي في الصور القديمة: أريكة ممزقة، ساعة حائط متوقفة عند الساعة 2:17 فجرًا. التوقيت نفسه الذي قيل إن العائلة اختفت فيه.
في المطبخ، وجد شيئًا غير متوقع. دفتر صغير، مخبأ داخل درج مكسور. صفحاته صفراء، والخط أنثوي متوتر. كانت مذكرات ليلى كامل، الأم.
> “الأصوات تعود كل ليلة… ليست من الخارج، بل من داخل الجدران.”
توقفت أنفاس آدم. قلب الصفحات بسرعة.
> “أخبرتُ يوسف أن نغادر، لكنه يقول إنهم يراقبوننا.”
“الساعة تقترب… أشعر أن البيت لا يريدنا أن نخرج.”
في تلك اللحظة، سمع صوت ارتطام خفيف في الطابق العلوي. تجمّد في مكانه. حاول إقناع نفسه أن الصوت مجرد فأر، لكن خطوات بطيئة تلت الصوت، خطوات بشرية بلا شك.
أمسك مصباحه، وصعد الدرج بحذر. كل درجة تصدر أنينًا، وكأن البيت يحتج على وجوده.
في نهاية الممر، كانت هناك غرفة واحدة مفتوحة. غرفة الأطفال.
الجدران كانت مليئة برسومات غريبة: أشكال بشرية بلا وجوه، أبواب سوداء، وساعة كبيرة تشير دائمًا إلى 2:17. في منتصف الغرفة، كان هناك صندوق خشبي صغير.
فتح الصندوق… فوجد داخله شريط تسجيل قديم.
لم يكن معه جهاز تشغيل، لكنه عرف أن هذا الشريط هو المفتاح. فجأة، انطفأ المصباح.
الظلام ابتلع المكان، ثم جاء الصوت.
— “أنت متأخر يا آدم.”
استدار بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد. الصوت كان يأتي من كل مكان، من الجدران نفسها.
— “من أنت؟” صرخ.
— “أنا من حاول تحذيرهم… كما أحاول تحذيرك.”
عاد المصباح للعمل فجأة. نظر حوله، فلاحظ بابًا صغيرًا في زاوية الغرفة، لم يكن موجودًا قبل لحظات. باب يؤدي إلى علّية ضيقة.
تردّد، ثم صعد.
في العلّية، كانت الحقيقة تنتظره.
عشرات الصور معلقة على الجدران. صور لعائلات مختلفة، جميعها التقطت أمام البيت رقم 17 عبر سنوات طويلة. وتحت كل صورة تاريخ… واختفاء.
في المنتصف، كانت هناك مرآة كبيرة. اقترب منها، فرأى انعكاسه… ثم رأى شيئًا آخر خلفه.
رجل مسن، شاحب الوجه.
— “كنتُ الحارس.” قال الرجل بهدوء.
— “هذا البيت ليس مكانًا… إنه فخ.”
أخبره الرجل أن البيت بُني فوق موقع قديم، مكان طقوس غامضة، وأنه “يتغذى” على الخوف والفضول. كل من يحاول كشف سره يصبح جزءًا منه.
— “العائلة حاولت الهرب، لكنهم عرفوا أكثر مما ينبغي.”
— “وأنت… صحفي، تبحث عن الحقيقة.”
بدأت المرآة تتشقق. الساعة في الأسفل بدأت تدق. 2:16… 2:17.
صرخ الرجل:
— “اخرج الآن! لا تنظر إلى الوراء!”
ركض آدم، نزل الدرج، اندفع نحو الباب. الأصوات تعالت، الجدران تهتز، وكأن البيت ينهار على نفسه.
خرج… وسقط على الرصيف.
حين التفت، كان البيت هادئًا، صامتًا، وكأنه لم يتحرك.
في اليوم التالي، كتب آدم مقاله. كشف فيه كل شيء… لكنه لم يذكر عنوان البيت.
بعد أسبوع، اختفى المقال من الإنترنت. وبعد شهر، تلقى رسالة جديدة.
> “البيت الآن يعرف اسمك.”
وفي شارع النخيل، بقي البيت رقم 17 واقفًا…
ينتظر الفضولي التالي.

