أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

السجون الإماراتية في اليمن والمعاملة داخلها: واقع معقد بين الادعاءات والإنكار



السجون الإماراتية في اليمن والمعاملة داخلها: واقع معقد بين الادعاءات والإنكار


خلال السنوات الماضية من الصراع في اليمن، برز ملف السجون والمعتقلات بشكل متزايد كجزء من الأزمة الإنسانية الشاملة التي يعاني منها اليمنيون. ومن بين هذه الملفات المثيرة للجدل، يأتي دور القوات الإماراتية المتحالفة مع طرف في الصراع اليمني، وتوجيه الاتهامات لها بوجود سجون خاصة أو سرية في اليمن، وإجراءات اعتقال وممارسات معينة داخل هذه المنشآت أثارت اهتمام منظمات حقوقية وصحفيين دوليين وعرب على حد سواء. 


الخلفية السياسية والسياق العسكري


بدأت السعودية والإمارات تدخلهما العسكري في اليمن منذ عام 2015 كجزء من التحالف العربي لدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ضد الحوثيين. ضمن هذا التدخل، سيطرت قوات مدعومة من الإمارات على أجزاء واسعة من الجنوب اليمني، مثل عدن والمكلا والضبة وغيرها من المناطق، وأصبحت لها نفوذ كبير في الشؤون الأمنية هناك، بما في ذلك الاعتقالات وإدارة أماكن الاحتجاز. 


بحسب تقارير وتوثيقات متعددة، فإن القوات الإماراتية أو القوى المدعومة إماراتياً لم تُدَرِّ السجون كجزء من الجهاز القضائي للدولة اليمنية، بل من خلال تشكيلات محلية أو وحدات أمنية موالية لها، وهو ما خلق نظام احتجاز خارج الإطار القانوني اليمني. 


الادعاءات حول السجون السرية


من أكثر التهم التي وجّهتها منظمات حقوقية وإعلاميون، هو وجود ما يُطلق عليه السجون السرية في عدة مواقع، منها مطار الريان في المكلا، وميناء الضبة، ومراكز احتجاز أخرى في عدن والمحافظات الجنوبية. في هذه المواقع، يزعم أن الاعتقالات تتم بدون سند قانوني واضح، وبدون محاكمات عادلة، ولفترات طويلة. 


التقارير أشارت إلى أن هذه السجون كانت تعمل بشكل غير خاضع للسلطة القضائية اليمنية الرسمية، وأن المعتقلين غالباً ما يتم احتجازهم من دون توجيه تهم واضحة أو منحهم حق الدفاع. في كثير من الحالات، لم يتم الإفصاح لأسرهم عن أماكن احتجازهم، مما يعزز اتهامات الاختفاء القسري. 


الانتهاكات الجسدية والنفسية


التقارير الحقوقية قالت إن الاعتقالات في هذه السجون لم تكن خالية من التجاوزات الخطيرة. وفقاً لتوثيق Euro-Med Monitor، فإن مئات من المحتجزين تعرضوا لـ:


تعذيب جسدي شديد ويتضمن ضرباً مفرطاً وضرباً بالعصي.


نقل المعتقلين في شاحنات بينما تكون أعينهم معصوبة وأيديهم مقيدة.


إهانات فاضحة وعمليات تفتيش مهينة للجسد تحت تهديد السلاح. 



بالإضافة إلى ذلك، تحدثت تقارير ووثائق صحفية عن استخدام العنف الجنسي والتحرش الجنسي كجزء من أساليب الضغط على السجناء لاستخلاص “اعترافات”، وفق شهادات مسربة من معتقلين. ذكر مصدر صحفي أن بعض الضحايا تعرضوا لإجراءات مهينة تمثلت في تعرض أعضائهم التناسلية لصدمات كهربائية أو تعليق أشياء عليها، وأن هناك تسجيلات ورسوم تم تسريبها عبر بعض السجناء. 


يُذكر أن بعض هذه الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية بحسب تقييم بعض منظمات حقوق الإنسان. 


المعتقلون المزعومون وأسباب الاعتقال


قضية المعتقلين في السجون الإماراتية مرتبطة غالباً بأسباب عدة تتداخل فيها الأمنية والسياسية. تقول بعض التقارير إن الذين تم اعتقالهم شملوا:


أشخاصاً مشتبه في صلتهم بتنظيمات متطرفة مثل القاعدة أو داعش، وإن كان الكثيرون منهم لم يتم توجيه تهماً رسمية لهم.


سياسيين ونشطاء ومنتقدين لتحركات التحالف في الجنوب.


أفراد عاديين وحقوقيين وجدوا أنفسهم متهمين بتهم مبهمة. 



هذه الفئة المتنوعة من المعتقلين، بدون إجراءات قانونية واضحة، أثارت تنديداً واسعاً من منظمات حقوق الإنسان، التي طالبت بتحقيقات مستقلة حول الحالات والتحقيق في الجرائم المزعومة المتعلقة بهذا الملف. 


ردود الإمارات والتحالف


من جانبها، نفت الإمارات بشكل قاطع إدارتها لسجون تعذيب أو سجون سرية، مؤكدة أنها لم تدِر هذه المرافق بنفسها، وأنها لم ترتكب أي انتهاكات. كما أكدت دعمها لإجراء زيارات من اللجنة الدولية للصليب الأحمر واحترامها للقانون الدولي الإنساني. 


في السنوات الأخيرة، تكررت الإعلانات الرسمية الإماراتية بأنها انسحبت بشكل كامل من العمليات القتالية في اليمن، وأنها ليست مسؤولة بشكل مباشر عن قضايا الاعتقال أو السجون. وفي خطوة حديثة، نفت وزارة الدفاع الإماراتية مزاعم وجود أسلحة وسجون سرية في مواقع مثل مطار الريان، ووصفتها بأنها مزاعم لا أساس لها من الصحة. 


آثار الانتهاكات على المجتمع اليمني


السجون والاعتقالات بدون محاكمة أثرت بتأثيرات واضحة على المجتمع اليمني:


اختفاء العائلات لسنوات دون معلومات عن مصير ذويهم، ما تسبب في معاناة نفسية واجتماعية شديدة للعائلات.


انعدام الثقة في النظام القضائي وأجهزة الأمن، خاصة في المناطق التي تسيطر عليها الفصائل المدعومة من الخارج.


جمعية كبيرة من اليمنيين يشعرون بأن هذه الاعتقالات كانت أداة لقمع المعارضة والمجتمع المدني، وليس فقط لمكافحة الإرهاب، وفق شهادات محلية. 



الدعوات الدولية والمحلية لإصلاح الوضع


استجابة لهذه الاتهامات، دعت منظمة العفو الدولية ومنظمات أخرى إلى تحقيق مستقل بقيادة الأمم المتحدة في جميع الاتهامات المتعلقة بالتعذيب والاحتجاز التعسفي في اليمن، بما في ذلك تلك المرتبطة بالقوات الإماراتية أو المدعومة منها. 


في نفس الوقت، زادت الضغوط المحلية في اليمن لضرورة إغلاق السجون غير القانونية، وإطلاق سراح المعتقلين الذين لم يتم تقديمهم للمحاكمة أو تم احتجازهم بدون أدلة واضحة. في بداية 2026 قالت منظمة Human Rights Watch إن الرئيس اليمني أكد على ضرورة معالجة السجون غير الشرعية وإطلاق سراح المحتجزين بشكل تعسفي. 


التحديات القانونية والإنسانية


من الصعب في هذا السياق الخروج بتقييم نهائي ودقيق، لأن اليمن يشهد صراعاً مسلحاً معقداً وتداخل أطراف كثيرة، ما يجعل الوصول إلى معلومات موثوقة غير ممكن دائماً. لكن المؤشرات الحقوقية المشتركة تشير إلى أن:


هناك انتهاكات جسيمة لحقوق السجناء في بعض مرافق الاحتجاز في اليمن.


بعض هذه الانتهاكات قد تكون ممنهجة ومنظمة، بما يتطلب مساءلة قانونية.


هناك فجوة بين ما تقول به الإمارات من احترام للقانون الدولي، وبين ما يوثقه المحققون المستقلون والشهادات الموثقة. 




---


الخلاصة


يبقى ملف السجون الإماراتية في اليمن موضوعاً حساساً ومثار جدل واسعيْن. يواجه المجتمع الدولي والمجتمع اليمني تحديات كبيرة في توثيق وتقييم الانتهاكات، وفي الوقت نفسه يظل هناك صوت متزايد يطالب بالمساءلة، والإصلاح، وضمان حقوق السجناء، واحترام القانون الدولي الإنساني.




تعليقات