لماذا تختار موسكو روسيا أولا وتترك حلفائها لمصيرهم
---
بوتين وحسابات المصالح: لماذا تختار موسكو روسيا أولاً وتترك حلفاءها لمصيرهم؟
يكثر في التحليلات السياسية، لا سيما في الشرق الأوسط، الحديث عن “الخطوط الحمراء” التي لا يمكن للولايات المتحدة تجاوزها عند التعامل مع أنظمة تصنَّف ضمن معسكر مناهضيها، وعلى رأسها النظام الإيراني. وتُطرَح دائماً فرضيات متشابهة لتفسير هذا “التردد الأميركي”: الخوف من الفراغ السياسي، أو من تفكك الدولة، أو من انفجار الفوضى والحروب الأهلية، أو من اضطراب أسواق الطاقة، أو من إغلاق مضيق هرمز وما يحمله ذلك من كلفة اقتصادية عالمية باهظة.
لكن فرضية أخرى لا تقل شيوعاً تتردد في الكواليس السياسية: أن واشنطن، وخصوصاً في عهد دونالد ترمب، تحسب حساباً خاصاً لروسيا، وتخشى أن يؤدي إسقاط حلفاء موسكو إلى استفزاز “الدب الروسي” ودفعه إلى مواجهة مفتوحة أو غير محسوبة العواقب.
غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: هل أثبت الواقع أن روسيا مستعدة فعلاً للدفاع عن حلفائها حتى النهاية؟ أم أن موسكو، كما توحي الوقائع، تضع مصالحها أولاً، وتترك الحلفاء يواجهون مصيرهم عندما تتعارض قضيتهم مع الحسابات الروسية الكبرى؟
روسيا بين الصورة الدعائية والواقع العملي
قدّمت روسيا نفسها خلال العقدين الأخيرين بوصفها قوة عالمية عائدة بقوة إلى المسرح الدولي، وقادرة على موازنة النفوذ الأميركي، بل ومزاحمته في مناطق حساسة مثل الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. هذا الخطاب وجد صدى لدى عدد من الأنظمة التي شعرت بالتهديد من الغرب، فرأت في موسكو مظلة سياسية وعسكرية بديلة.
لكن عند اختبار هذه المظلة في لحظات الحقيقة، جاءت النتائج أقل بكثير من التوقعات.
إيران: حليف استراتيجي أم ورقة تفاوض؟
تُعد إيران من أبرز شركاء روسيا في مواجهة النفوذ الغربي، سواء عبر التنسيق السياسي أو التعاون العسكري والتقني. ومع ذلك، حين تعرضت إيران خلال العام الماضي لضربات إسرائيلية مركّزة استهدفت مفاصل حساسة في بنيتها العسكرية والأمنية، واغتيلت شخصيات رفيعة من قياداتها، لم تتجاوز ردود الفعل الروسية حدود البيانات الدبلوماسية والتصريحات الإعلامية.
الأمر لم يتوقف عند ذلك. فعندما قررت الولايات المتحدة توجيه ضربات مباشرة لمنشآت نووية إيرانية مستخدمة قوتها العسكرية الثقيلة، لم تُقدِم موسكو على أي خطوة عملية لردع هذه الهجمات أو تغيير مسارها. لا دفاع جوي فعّال، ولا تدخل عسكري، ولا حتى تصعيد سياسي يُذكر.
وهنا يبرز سؤال محرج: لو كانت إيران حليفاً لا يمكن التفريط به، هل كانت روسيا ستكتفي بالمشاهدة؟
سوريا: نهاية الحليف عندما تنتهي الفائدة
قد يجادل البعض بأن التجربة السورية تُظهر عكس ذلك، وأن روسيا تدخلت عسكرياً لإنقاذ نظام بشار الأسد. هذا صحيح جزئياً، لكنه لا يكتمل دون النظر إلى النهاية.
حين انهار النظام السوري فعلياً وسقط رأسه، لم تُقاتل روسيا حتى الرمق الأخير دفاعاً عنه، ولم تدخل في مواجهة شاملة مع الغرب أو القوى الإقليمية. كل ما فعلته هو ترتيب عملية إخراج سريعة لبشار الأسد وعائلته وعدد محدود من المقربين، وتأمين ملاذ آمن لهم في موسكو.
بمعنى آخر، حمت روسيا الشخص، لا النظام، وأنقذت الرمز، لا الدولة. وعندما انتهت الفائدة الاستراتيجية من بقاء النظام، أُغلِق الملف بهدوء.
فنزويلا: الاختبار الأكثر إحراجاً
أما فنزويلا، فتمثل المثال الأوضح والأكثر إحراجاً للكرملين. فقد راهنت موسكو بقوة على نظام نيكولاس مادورو، واعتبرته بوابة نفوذ في أميركا اللاتينية، وزوّدته بأنظمة دفاع جوي روسية كانت تُقدَّم إعلامياً على أنها “لا تُقهر”.
لكن حين تحركت الولايات المتحدة لإسقاط النظام، جرى الأمر بسرعة لافتة، من دون أي مقاومة تُذكر. لم تعمل أنظمة الدفاع كما وُعد بها، ولم تتدخل روسيا عسكرياً، بل انتهى المشهد بالتقاط مادورو وزوجته ونقلهم إلى الأراضي الأميركية، في صورة صادمة لكل من اعتقد أن موسكو ستقف حتى النهاية مع حلفائها.
هذه الحادثة لم تكن مجرد خسارة حليف، بل ضربة قاسية لمصداقية روسيا العسكرية والسياسية.
قراءة غربية: أصدقاء بوتين في مهب الريح
في هذا السياق، نشر الكاتب والمحلل المتخصص في الشأن الروسي مارك بينيتس مقالاً في صحيفة “التايمز” البريطانية بعنوان لافت: «مع أصدقاء مثل بوتين… من يحتاج إلى أعداء؟». خلص فيه إلى أن إحجام الكرملين – أو عجزه – عن دعم أنظمة مثل إيران وسوريا وفنزويلا لا يوجّه ضربة لصورة روسيا كقوة عالمية فحسب، بل يقوّض أيضاً مشروع بوتين لبناء تحالف دولي مناهض للغرب.
ونقل المقال عن مصادر قريبة من الحكومة الروسية أن تسويق موسكو لنفسها كحامٍ موثوق لحلفائه أصبح مهمة شبه مستحيلة بعد تجربة فنزويلا، إذ أن الدول القوية – بحسب التعبير الوارد – لا تتخلى عن حلفائها بهذه الطريقة.
لماذا يختار بوتين التراجع؟
الجواب، على الأرجح، لا يتعلق بالضعف المطلق، بل بالحسابات الباردة. فروسيا تخوض معركتها الأساسية في أوكرانيا، وهي معركة تمس أمنها القومي المباشر، وتستنزف مواردها العسكرية والاقتصادية والسياسية. وفي هذا الملف تحديداً، يبدو أن موقف دونالد ترمب – أو على الأقل خطابه – أقل عدائية من إدارات أميركية سابقة، وهو ما يراه بوتين فرصة لا ينبغي التفريط بها.
من هذا المنطلق، لا يريد الكرملين الدخول في مواجهات جانبية قد تجر عليه عقوبات إضافية أو تصعيداً غير مرغوب فيه مع واشنطن. لذلك يكتفي غالباً بالدعم السياسي، والتصريحات النارية، وربما ببعض الإمدادات العسكرية المحدودة، ثم يترك الحلفاء يواجهون مصيرهم.
الخلاصة: روسيا أولاً… دائماً
النتيجة التي تفرض نفسها بوضوح هي أن روسيا، بقيادة فلاديمير بوتين، لا تخوض معارك الآخرين إذا لم تخدم مصالحها المباشرة. التحالف معها ليس تحالفاً وجودياً، بل علاقة نفعية محكومة بالميزان الربحي والخسائري.
لذلك، فإن أي طرف يراهن على “أبي علي” – كما يلقبه أنصار بعض الميليشيات – بوصفه منقذاً أو حامياً حتى النهاية، عليه أن يقرأ المشهد بواقعية أكبر. فالتجارب من طهران إلى دمشق، ومن كاراكاس إلى غيرها، تقول شيئاً واحداً: عندما يحين وقت الحساب، تختار موسكو روسيا أولاً، وما عداها تفاصيل قابلة للتضحية.
